الغزالي
98
إحياء علوم الدين
فإذا صلحت هذه القوة ، حصل منها ثمرة الحكمة . والحكمة رأس الأخلاق الحسنة . وهي التي قال الله فيها * ( ومن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ) * « 1 » وأما قوة الغضب ، فحسنها في أن يصير انقباضها وانبساطها على حد ما تقتضيه الحكمة وكذلك الشهوة حسنها وصلاحها في أن تكون تحت إشارة الحكمة . أعنى إشارة العقل والشرع وأما قوة العدل فهو ضبط الشهوة والغضب تحت إشارة العقل والشرع . فالعقل مثله مثال الناصح المشير . وقوة العدل هي القدرة ، ومثالها مثال المنفذ الممضى لإشارة العقل . والغضب هو الذي تنفذ فيه الإشارة ، ومثاله مثال كلب الصيد ، فإنه يحتاج إلى أن يؤدب حتى يكون استرساله وتوقفه بحسب الإشارة ، لا بحسب هيجان شهوة النفس . والشهوة مثالها مثال الفرس الذي يركب في طلب الصيد ، فإنه تارة يكون مروضا مؤدبا ، وتارة يكون جموحا . فمن استوت فيه هذه الخصال واعتدلت ، فهو حسن الخلق مطلقا . ومن اعتدل فيه بعضها دون البعض ، فهو حسن الخلق بالإضافة إلى ذلك المعنى خاصة . كالذي يحسن بعض أجزاء وجهه دون بعض . وحسن القوة الغضبية واعتدالها يعبر عنه بالشجاعة . وحسن قوة الشهوة واعتدالها يعبر عنه بالعفة . فإن مالت قوة الغضب عن الاعتدال إلى طرف الزيادة تسمى تهورا . وإن مالت إلى الضعف والنقصان تسمى جبنا وخورا . وإن مالت قوة الشهوة إلى طرف الزيادة تسمى شرها . وإن مالت إلى النقصان تسمى جمودا . والمحمود هو الوسط وهو الفضيلة . والطرفان رذيلتان مذمومتان . والعدل إذا فات فليس له طرفا زيادة ونقصان بل له ضد واحد ومقابل ، وهو الجور . وأما الحكمة ، فيسمى إفراطها عند الاستعمال في الأغراض الفاسدة خبثا وجربزة ويسمى تفريطها بلها . والوسط هو الذي يختص باسم الحكمة فإذا أمهات الأخلاق وأصولها أربعة ، الحكمة ، والشجاعة ، والعفة ، والعدل . ونعني بالحكمة : حالة للنفس بها يدرك الصواب من الخطأ في جميع الأفعال الاختيارية . ونعني بالعدل حالة للنفس وقوة بها تسوس الغضب والشهوة وتحملهما على مقتضى الحكمة
--> « 1 » البقرة : 229